النويري

257

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأنا غلام أعقل « 1 » كلّ ما رأيت ، حتى جاءه ، فقال : أعلمت يا جميل أنى أسلمت ودخلت في دين محمد ؟ قال : فو اللَّه ما راجعه حتى قام يجرّ رداءه ، واتبعه عمر واتبعت أبى ، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش - وهم في أنديتهم حول الكعبة - ألا إنّ ابن الخطاب قد صبأ « 2 » ، فيقول عمر من خلفه : كذبت ، ولكنّى أسلمت ، وشهدت أن لا إله إلا اللَّه ، وأنّ محمدا عبده ورسوله ، وثاروا إليه ، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤسهم . قال : وطلح - يعنى أعيا - وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم ، فأحلف باللَّه لو قد كنا ثلاثمائة لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا . فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلَّة حبرة « 3 » وقميص موشّى ، حتى وقف عليهم فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : صبأ عمر ، قال : فمه ! رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بنى عدىّ بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا ! خلَّوا عن الرجل ، قال : فو اللَّه لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه . قال : فقلت لأبى بعد أن هاجر إلى المدينة : يا أبه ، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك ، جزاه اللَّه خيرا ؟ قال : ذاك العاص ابن وائل السّهمىّ ، لا جزاه اللَّه خيرا . قال عبد اللَّه بن مسعود : ما كنا نقدر أن نصلَّى عند الكعبة حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشا وصلَّى عند الكعبة وصلينا معه . وقال : إن إسلام عمر كان فتحا ، وإنّ هجرته كانت نصرا ، وإنّ إمارته كانت رحمة .

--> « 1 » في الأصول : « أغيل » ، وهو تصحيف ، وما أثبتناه عن ابن هشام وابن كثير ( 3 : 81 ) والمواهب ( 1 : 332 ) . « 2 » صبأ ، ككرم ومنع : خرج من دين إلى دين . « 3 » الحبرة : ضرب من برود اليمن .